التفكير الهندسي ومستقبل الغرفة الصفية – STEM Education

لقد ساهمت التطورات الصناعية والتكنولوجية التي حدثت في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحالي إلى فتح آفاق جديدة للتعلم والاكتشاف، تجاوزت النمط التقليدي الخاص بالغرفة الصفية وطريقة سرد المعلومات ونقلها إلى الطالب، وركّزت على أهمية التطبيق العملي للمعرفة، واتساع المجالات المعرفية، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تطور هذه المعرفة، ورفد العالم بالمزيد من الاختراعات والاكتشافات.

وبزيادة التقدم العلمي وسهولة نقل المعلومات ووصول الطالب إليها في المدارس والجامعات، أصبح لا بد من إعادة النظر في المنظومة التعليمية وتعريفنا للغرفة الصفية، بما يتناسب مع هذا النبض المستمر للتطور المعرفي، وبما يهدف إلى أن يكون الطالب والمعلم جزءًا من هذا النبض، ويلغي بدوره النظام التقليدي لآلة رص المعلومات التي اتسم بها طالبنا طويلًا.

ففي بداية قرننا الحالي ظهر ما يعرف بالـ (STEM Education (Science, Technology, Engineering, and Mathematics   ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية، وانتشارًا في جميع أقطار العالم، والذي يهدف إلى خلق التكامل بين العلوم والرياضيات والتكنولوجيا عن طريق التفكير الهندسي، وجعلها أدوات للحصول على المعرفة عن طريق التجربة العملية المرتبطة بالمحاولة والخطأ. ففي مجال العلوم نحن نتحدث عن وصف العالم بما فيه من ظواهر واكتشافات، ونعرض هذا الوصف بأسلوب رياضي ليسهل نقله وتحليله، بينما تسهم الهندسة في تغيير العالم بمنظور تطبيقي يعتمد على كل من العلوم والرياضيات. فالتعلم من خلال ال STEM يحفّز ملكة الإبداع لدى الطالب من خلال منظومة الربط هذه، ويجعل المعلم يدرك أهمية الوصول إلى اللغة العلمية التي تتناسب مع الطالب باختلاف عمره وطريقة تفكيره. ويتم تطبيق ال STEMمن خلال الأنشطة العملية التي تجعل النتائج أقرب إلى الفهم والإدراك كونها ملموسة، وتزداد أهمية هذا الاسلوب من التعليم بكونه أداة موازنة بين دفع الطالب إلى الخطأ للتعلم وبين إكسابه المهارات الأساسية من المعرفة أو المادة العلمية.

educationويفرض هذا النوع من التعليم شكلًا آخر للغرفة الصفية، يعتمد على روح الفريق، وتحسين التواصل، والانشغال بما هو مفيد، وتفاعل الطالب بجميع حواسه من خلال التجربة العملية بدلًا من الإنصات فقط لمدة تزيد في بعض المدارس عن ست ساعات متواصلة من التلقين، الأمر الذي يتعدى المشكلة كونها مشكلة مدرسية إلى مشاكل في المنظومة الجامعية حيث أن الطالب ينتقل من نظام يعتمد على التلقين إلى نظام بحث وتطوير، وننتظر منه بعد ذلك الإبداع والابتكار!

ويدرك الباحثون في مجال تطوير منظومة التعليم أن اختلاف طريقة تفكير الطلاب لا يعني بالضرورة نقصًا في قدرات بعضهم. كما أننا أصبحنا مدركين أن نظرة المعلم إلى الطالب بأنه نسخة مكررة هو ظلم للعقل الإنساني وجهل عميق بالتنوع في طريقة التفكير، حيث إنه بدلا من ذلك أصبحت الحاجة ماسة إلى إدراك هذا الاختلاف، وجعله أداة رئيسية لإكساب الطلاب المعرفة الصحيحة، عن طريق طرح الحلول المختلفة في مسألة هندسية ما وجعل الطلاب يتساءلون “ما هو عنوان درسنا؟” بدلا من “لماذا ندرس هذا؟” فبهذه الطريقة نقوم بالتركيز على الترابط بين العلوم المختلفة وإشعار الطلاب بأهمية كل من الرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم، وأننا بحاجة إليها لحل المسالة والتحدي المطروح، مما يجعل الطلاب يرغبون في البحث عن العلم لإكمال التحدي الذي يعملون عليه.

ويجدر القول بأن التفكير الهندسي يبنى على أمرين أساسيين: تشجيع إبداع طرق جديدة، وذلك من خلال تعبيد طرق بحث وتجريب جديدة قد تختصر الكثير من المسافات، والأمر الثاني هو الموازنة بين المعارف المختلفة والربط بينها بطريقة تطبيقية، فالتعلم من خلال ال STEM مرتبط وبشكل كبير بالتفكير الهندسي بحيث يجعل الاختراع هدفًا للمنظومة التعليمية.

وأثبتت الكثير من الدراسات تأثير هذا النوع من التعلم إيجابًا على التحصيل العلمي للطلبة، وتغيير نظرة الطالب إلى المدرسة والعلم، لأن هذا النوع من الأدوات التعليمية تفرض طريقة جديدة لتقدير الطالب، واستيعاب مبدأ الاختلاف بالتفكير، وليس مبدأ الصحيح والأكثر صحة، وجعل النتيجة العلمية نتاجًا لتبادل الأفكار والحلول بين الطلبة، وتقييم أداء الطالب بناءً على المعرفة المكتسبة وتواصله مع أقرانه، وليس بناءً على الأرقام والتقديرات الناتجة من الاختبارات الورقية، فببساطة “أنت لا تستطيع تقييم مهارة السمكة من خلال اختبار قدرتها على تسلّق الأشجار!”

إذن فالتعلم من خلال ال STEM سيُسهم في خلق بيئة صفيّة جديدة تهدف إلى كسب العلم من أجل الاختراع والابتكار، وتعريف الطالب بعدد كبير من المجالات، وجعله قادرًا على أن يكون ما يريد. ولكن لا بد من وجود الكثير من التحديات والعقبات أمام هذا النوع من التعليم؛ حيث إنه يتطلب غرفة صفية تحتوي على الأدوات والمعدات اللازمة، والتي تكون مكلفة عادةً، ولكن البعض قد وجد العديد من الطرق لتطبيق التجارب العلمية العملية من خلال أدوات يومية بسيطة. ويجدر القول بأن الفئة التي يستهدفها هذا النوع من التعليم تستحق الاستثمار بشتى الوسائل، لما لذلك من آثار على تطور ونهضة المجتمع.